الافتتـــــــاحيةـــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــ بقلم . ناصر دمـــج

أطلق الموقع الجديد والمخصص لخدمة قضية مخيم جنين كابرز علامة فارقة في مستهل الألفية الثالثة من عمر هذه البشرية ، يحمل اسم اول مذبحة يرتكبها القوي فاقد الحق بحق الضعيف مالكه والمتمسك به منذ المذبحة الاولى التي دمغ بها التاريخ البشري ايضا ، هناك في قاع العالم في أريحا عندما ارتكب يهوشع بن نون أول فعل مشين عرف فيما بعد بأنه مذبحة يمكن للإنسان أن يرتكبها بحق أخيه الإنسان قبل ذلك لم يكن يعرف أحد من سكان قارات العالم القديم أي شئ عن المذابح ، لكنه ليس مدهشا أن يكون خصمنا الأزلي هو الذي أدخل ألي وعى الحضارات هذا المسلك الوحشي ليحط من قيمها لاحقاً ، حتى أصبحت المذبحة أحد أشكال الدفاع عن النفس في جنين .

يفترض القائمون على هذا الموقع مساهمة فعلية جديدة ستوضف في خدمة قضية مخيم جنين والشان الفلسطيني بوجه عام ، لما لهذا الشكل من أشكال الاتصال الكوني من أهمية بالغة في إيصال مضامين المرسلات الاعلامية والثقافية بكل ما تحمله من متضادات ، وسيلعب موقعنا هذا دور كبير في الرد على افتراءات الخصم الإسرائيلي الذي تمكن بفضل آلته الإعلامية المتنفذة من قلب حقائق هذه المجزرة ووضع حقائق بديلة أمام المحافل الدولية والتي جيرت اكثر خلال السنين الأخيرة لخدمة اغراضه العنصرية السافرة ، أدت لاحقا ألي اعتماد روايته حول المجزرة مثلما عبر عن ذلك تقرير سييء الذكر " كوفي عنان " أمين عام هيئة الأمم المتحدة ، حدث ذلك أمام أعين الأمة العربية التي لم تفيدها كامل ثروتها في تغير فقرة واحدة في ورقة واحدة من أوراق الأمم المتحدة أو آيا من مؤسساتها المختلفة .

أن القفزة النوعية الهائلة التي يعيش معطياتها العالم اليوم في حقل الارسال والاتصال وتجاوز ثورة الاتصالات لحدود المعقول دفع كل صاحب حاجة الى البحث عن سبل استدراك اكثر حداثة لدرء خطر تهميشه وقذفه الى الفراغ بمنهاج حرفي تنافسي يكفل له النجاح والثبات في وجه المتغيرات الهائلة التي مست بانقلابها كافة مكونات الحياة المادية للإنسان ، لكي يحقق الحد الأدنى من النجاح .

تندرج الإشكالية الإعلامية التي ألمت بمخيم جنين وكان تقرير الأمم المتحدة أحد تجلياتهافي إطار أزمة الأعلام العربي والذي تكبله هذه الاشكالية بمربط ثلاثي الابعاد :-

البعد الأول - المغالاة في لغة الخطاب الموجه للاخرين بهدف الكسب السريع .

البعد الثاني- استخدام أوصاف ومسميات غير مناسبة لأوضاع مناسبة .

البعدالثالث - انهيار الخطط والعمل الموحد بسبب التنافس المبكر بين أصحاب القضية نفسها .

بصدد البعد الأول ،

شكل هذا الثلاثي وما يزال مثلث الفتك الرئيس باية خطة عمل اعلامية على المستوى العربي منذ اكثر من خمسين عام على الاقل ، بدون العودة الى الخلف للتعليل على ثبات العلة يمكن استخدام المثال المتجانس مع موضوع الافتتاحية وهو مخيم جنين ، اعتبرت المغالاة في تقدير عدد الضحايا لمجزرة جنين أحد أهم أسباب النكوص والارتداد الغربي ألي الخلف وتراجعهم عن دعم الفكرة القائلة بوجود مجزرة في المكان ، علما أن لهذا الخطأ مبرراته المتعددة ، إذ كان من الصعب على سكان المخيم أمام الحجم الهائل للدمار أن يقدروا عدد الضحايا بأقل من ذلك لكن العارفون في الأمر من البيت الفلسطيني يعلمون أن الحقيقة مختلفة ، لذا كان الخيار الأنسب للعمل هو التأني ولو لأيام قليلة ، لأن نزول الرقم من 550 ألي 65 يعني أن تهبط معه صدقية المتحدث والراوي والشاهد ، لذا سيسجل هذا الخطأ كأحد أهم أخطاء المسؤلين هناك وليس خطأالسكان وهو بالمناسبة خطأ مهني من الطراز الأول في المجالات الرئيسة الثلاث الأعلام والإحصاء والإدارة .

الخطأ التالي الذي شكل ملحق للخطأ الأول وعززه هو عدم استدراك الخطأ نفسه من خلال الإعلان عن رقم رسمي صادر عن هيئة تقدير الخسائر موجه باللغة الإنجليزية وسواها لمندوبي الوكالات الاجنبية التي تواجدت في المخيم حتى وقت متأخر بعد انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من المخيم .

بصدد البعد الثاني ،

خلال فترة وجود الإعلاميين الاجانب في المخيم استرسل الشباب من مختلف الاعمار في شرح واعادة شرح كيفية صناعة ( ام العبد ) وسواها من انواع واسماء ومسميات الاكواع من مختلف الاعيرة والقياسات ، دون علمهم بان المستمعين الجيدين لهم ليسوا اكثر من مندوبين لمؤسسات أمنية غربية ،لذا لم يترك هؤلاء وسيلة ألا واستخدموها لجمع أدلة ( إدانة الضحية ) و( تبرئة الجلاد ) ، أنها حكاية تشبه حكاية " قصير الذي جذع انفه " لهذا من الممكن ان تبقي الحواجب مرفوعة ألي أعلى لفترة طويلة من شدة الدهشة .

قبل الغلاف الأخير لهذه الرواية اعتبر الهجوم الإسرائيلي على المخيم أحد أشكال الدفاع عن النفس ولعب الأعلام دور المسوغ للفكرة الميتافيزيقية التي اصبحت واقعية واخيرا قابلة للتصديق من قبل بعض الفلسطينيين . بهذا انهارت الرواية الفلسطينية أمام عدسات الوكالات الأجنبية وتخلت ماكينة الأعلام العربي عن عزمها في دعم الحق العربي في مخيم جنين .

أضف ألي ذلك بان الفلسطينيين لم يردوا بما هو كاف تهمة ( اختباء المقاتلين بين النساء والأطفال في بيوت المخيم ) وقد نجح الأعلام الإسرائيلي من خلال اعلامه الرسمي باستخدام قصة المقاتل ابو جندل كاحد المتواجدين في المخيم وهو من خارجه من قرية يعبد كدليل على تحول المخيم ألي " وكر للإرهابيين في منطقة جنين " بينما لم يتحدث أحد عن خمس وعشرين مقاتل أخر سقطوا في المعركة وهم بجوار منازلهم ( نضال النوباني وشقيقه ) هؤلاء المقاتلين كانوا يدافعوا عن منازلهم فقط ، حيث لم يكن لديهم خيار أخر .

أن سوء استخدام العوامل والمعطيات المتاحة من قبل الاعلاميين الرسمين وغيرهم ادى الى هذه النتيجة .

بصدد البعد الثالث ،

قبل انقشاع غبار المعركة سادت الصفوف مجموعة متنوعة من الاشكالات تمحورت حول أستكمال الدور او تقاسمة بمعنى ادق من قبل الصفوة التي تطوعت لخدمة الحالة السائدة وتوزعت الادوار ومعها الخلافات على مهمات اعادة البناء /حصر الاضرار /سلم المتضررين /الاعلام/التموين/الاتصالات الخارجية / التعويضات ...الخ وبدون الدخول ألي قلب كل من هذه الملفات يمكن القول بأنها استحوذت على اهتمام الجميع ما عدا ملف واحد لم يلتفت أليه أيا كان وهو الملف السياسي ،بسبب ذلك لم يدرك أهل هذا المخيم العظيم لغاية ألان قيمة ونوعية العمل الذي قام به شهدائهم ولحسن حظهم بان هذه الورقة لا ولن تموت أي الورقة التي يمكنهم ان يجعلوا منها منطلق نهضة لمكانتهم السياسية بعد ان يحددوا نوعية وماهية الدور السياسي الذي يجب ان يلعبوه في الساحة الفلسطينية .

حدث ذلك رغم عبقرية المكان والإنسان أعادت ألي الذاكرة طيف معركة الكرامة وغيرها من معارك الثورة الفلسطينية حيث قاومت الإمكانات البسيطة آلة الحرب الإسرائيلية الطاحنة وهزمتها في معارك اتسمت على الدوام بميل كفة الميزان للخصم الإسرائيلي ، إذ كل يوم من المفيد في تقيم الحدث إعادة تخليد سيرة الشهداء لأنهم جزء من السر الذي وقف خلف هذا النصر العسكري العظيم ، ووفر للأحياء فرصة الوثب ألي أعلى ، ولكن ؟؟؟ لا ذنب للذين مضوا بأي إخفاق هو فقط من صناعة الأحياء ونزواتهم الماحقة للفرص النادرة والتي ربما ستمر سنين طويلة قادمة حتى تتكرر مثيلاتها ،هكذا حجب الغبار الكثيف كامل مساحة الأفق المخصصة للرؤيا الواضحة أمام الجيل الذي كان يجب أن يواصل المسار ويثقب المدى وينطلق بالمخيم ألي حيث كان يجب أن يصل .

مرة أخرى يتلاق الفلسطيني وجها لوجه مع الفشل كمحصلة لمجهود عظيم من التعب لكن دون انعطافة جديدة ، المكان هو نفس المكان الذي صالت وجالت فوقه خيول القسام والشيخ عطية وفرحان السعدي أنها الحاضنة الجغرافية الأكثر رفقا ودفئا بالثوار انها جنين المدينة الوحيدة في العالم التي يسكن مداخلها الشهداء ويستقر في باطنها أجنة لا انقطاع لهم يكسبون المكان خصوصيته الاستشهادية الفريدة والتي تكاد تطفي على جغرافية المكان بعدا ميثولوجيا ملموس براحة اليد ، أمام نحن فيه يمكن لنا أن نصدق أيضا فرضية علامة اللغة العربي " بن عربي " حول حرفي الجيم والنون والقائلة ( بأنه ما اجتمع حرفي النون والجيم في أي كلمة ألا وحملت في دلالاتها كل ما هو غريب ) ككلمة جنة وجنائن وجن ولا بأس من استعارة اسم جان دارك واخيرا جنين .

اذ خصوصية الحالة الفلسطينية في هذا المكان أضحت أمر ليس من صناعة الإنسان فحسب إنها حالة فريدة لأتلاف التاريخ والجغرافيا والغيبيات كافة ، لكن جنين ما زالت بانتظار الفارس الذي يجلسها في المكانة المناسبة مع هذا الحيز الذي تشغله في الحالة الفلسطينية .

بقلم . ناصر دمـــج



الصفحة الرئيسية | للأعلى