![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
الافتتـــــــاحيةـــــــــــــــــــــــــــــ طيلة المراحل السياسية المتعاقبة من تاريخنا الحديث على الاقل ، ومحافظة جنين تمثلنا فلسطينيين وعرب و تاخذ عن كاهلنا العبء الاكبر و الدور الابرز في مقاومة العدوان و الاحتلال ، فهي بحق مهد الثوار و المقاومة و الثورة ، لنعترف كشعب وامة انها تقودنا دائما في ادق المنعطفات و اكثرها تاريخية واهمية .
ان محافظة جنين هي الحسم الخالد المتجدد في مسيرتنا التحررية ،محافظة الشهداء و الجرحى و الاسرى وهي وسام البطولة و الارادة الحرة و الابداع الثوري عينه .
مرة اخرى و باسم الشعب الفلسطيني يقتحم مخيم جنين تاريخ المنطقة وجغرافيتها ، متجولا في تضاريس الذاكرة و الوعي السياسي ، صاعدا الى قمة الجبل و ممسكا بلوائح ونواميس حق العودة و التحرير والدولة ، لقد حاول ان ينقذنا من اوهامنا و ياخذ بيدنا نحوحقيقة الحرية و يرشدنا بالشهداء و الجرحى و الاسرى و المطاردين الى اقصر الطرق واقومها نحو الاستقلال و العدالة ، وبالرغم من تصاعد قوة الاحتلال وتطور امكانياته ، الا ان مخيم جنين قد أصر وبإرادة فولاذية على اعادة كتابة التاريخ من جديد ،متهكما على العجز العربي و ساخرا من الاحتلال و قوات الاستعمار الاستيطاني و متمردا على مسلمات السياسة الدولية المنحازة .
لقد اصبح مالوفا في وعي الفلسطينيين ان تتبوأ مخيمات الكرامة و العودة الفلسطينية هذا الدور الريادي في قيادة مسيرة التضحية نحو الحرية ، فمخيمات الشتات الباسلة قد فجرت ينابيع الثورة و صنعت الهوية الوطنية الفلسطينية و مجبولة بدماء ابناء شعبنا و معاناته ، لقد احتضنت الثورة و فكرتها الدولة و معالمها ، الحلم ووقائع تحقيقه وواجهت في المسيرة المجزرة تلو الاخرى من الاشقاء و الاعداء ولا تزال في طليعة النضال الوطني من اجل الاستقلال ، كما واصلت مخيمات العودة في الوطن دورها البارز في الثورة و في الانتفاضات المتتالية متمردة على الاحتلال و قوانينه و على سوء اوضاعها و صعوبة واقعها ، لقد تعانقت في المعركة مع القرى والمدن لترسم طريق حريتنا و معالمها و لتعطي الاستقلال مضمون العدالة المنشودة سياسة و أبنية ، منذ بدء الاحتلال و مخيماتنا تتعرض لأبشع اشكال التدمير و اعادة التهجير و الابادة ، وبقيت ثابتة على العهد تضحي وتقاتل لتبقى القضية حية في عروقنا و الحقوق سامية في وعينا .
لقد اجتاح مخيم جنين بصمت شهدائه الواقع العربي الراهن و مرتكزات تفكيره السياسي متجاوزا لكل الامال المعقودة على الدعم الخارجي و متمسكا بكل محطات العز والكرامة من تاريخنا الطويل ليعيد انتاجها بعروبة اصيلة هي فلسطين .
ان جنين المخيم قد اعادت الى الواقع صورة الفدائي الفلسطيني ، وبقدر ما تمثلت جميع تضحيات الثورة و بطولات الشعب الفلسطيني ، فانها وجهت نقدا لاذعا و صريحا لتجربة العمل الفلسطيني المقاوم في اكثر من موقف و مرحلة من الماضي و الحاضر ، لقد حدد القادة الغايات بوضوح شديد ، واتخذوا قرارا بالمقاومة لا لبس فيه ولا يقبل التأويل واستعدوا واعدوا للمواجه بكل طاقتهم، فجاءت وحدة المقاتلين المجاهدين من كافة القوى في ارض المعركة منسجمة تماما مع قرارهم بالمواجهة ، فجندوا كافة امكانياتهم المتواضعة وجغرافية المخيم ووضعوها في خدمة المعركة بتنظيم دقيق ، ان صدق رسالتهم و دعوتهم و ممارستهم قد ادت الى ميلاد لحمة منقطعة النيظر مع جماهير المخيم و المحافظة و دفعتهم للتضحية بارواحهم و ابائهم و ممتلكاتهم و الصمود امام جيش الاحتلال بطائراته ودباباته و جرافاته و خيرة جنوده وقياداته امام حرب الابادة الجماعية التي مارسها الاحتلال بحقد مسبق ضد المخيم وسكانه .
في مخيم جنين الذي حضن القادة المقاتلين و بالرغم من قلة العدد و العدة و الامكانيات البسيطة و بعد التوكل على الله انتصرت الارادة الفلسطينية الجماعية المنظمة على جيش الاحتلال الذي هزم الجيوش العربية ، انتصرت الطهارة و الشرف و الفقر ومصداقية الكلمة و الموقف و السلوك على جنرالات الاحتلال ومؤسستهم وخبرتهم العسكرية و امكانيتهم المفتونة بقوتها و تكنولوجيتها، وحده انتصر المخيم و اسس للعالم جامعة في اساليب المقاومة و حروب التحرير و عبر عبورا ملحميا كل فضاءات السياسة والتاريخ بالرغم من الدمار الذي لحق به والدماء النازفة من جسده المثخن بالجراح و تهجير سكانه و محرك فلا يزال صامدا شامخا يشكل قمة قمنا وروح مآثرنا ومحرك انتصار حقوقنا ،يحمينا ويحافظ على تماسك وعينا وتوازنه ، شاهدا على جريمة الصهيونية و الاحتلال و الصمت العربي و التواطؤ العالمي و التخاذل المحلي .
ان البطل الحقيقي هم الشهداء و الجرحى والاسرى و المطاردين .
ان محاولة الاقتراب من نور هذه الملحمة الحقيقية الملموسة يجب الا يعفينا من اعادة تقييم واقعنا و ادائنا و سلم اولوياتنا المحلي خاصة وان محافظة جنين الشهداء و مخيمها البطل القائد قد فتح الباب على مصراعية امام اسئلة عدة تتعلق بعديد استراتيجياتنا وممارستنا ، فبعد ان اكد على ان الأولوية يجب ان تعطي دوما لحسم المواجهة مع الاحتلال حتى ينال الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة ، حقه في العودة وتقرير المصير و اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة و عاصمتها القدس الشريف ، فانه ايضا قد صرخ في وجه كافة المسؤولين الفلسطينيين سائلا عن سبب تهميش محافظة جنين ومخيمها وغيرها من المحافظات التي تقدمت الصفوف في مجال التضحية و المقاومة ولم تعطي الاولوية المناسبة في مشاريع و خطط الدعم و الاعمار و التنمية في كافة المجالات سائلا عن سبب الغاء لجنة التحقيق الدولية وطالبا من كافة المسؤولية و القوى والقطاعات والمؤسسات الارتقاء لمستوى معاناة و تضحيات شعبنا بما تفرضه من طهارة وانحياز عملي واخلاقي للمواطن الصابر الصامد و لمبادئ العدالة و الشفافية و سيادة القانون بعيدا عن الفساد و سرقة اموال الشعب و الثراء على حساب دماء الشهداء و الجرحى و معاناة الاسرى وعلى حساب اعمار الوطن ، والوقوف بحزم الى جانب المعاناة الحقيقية لجماهير الانتفاضة التي تدفع من قوت اولادها و دمها و لحمها ضريبة الحرية والاستقلال ، لقد جسد مخيم جنين نموذجا واضحا للمسؤول الفلسطيني الملتصق بمعاناة شعبه و التمسك بالاهداف الوطنية و الملتزم بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني .
ان ارادة الباحث في انجاز هذا العمل الهام تنبع من صلب الارادة التي فجرت ينابيع العطاء و التضحية في محافظة جنين ومخيمها البطل ، وبالرغم من وجود الاحتلال و الاحتياجات المتواصلة و استمرار الحرب الشرسة التي بمارسها الاحتلال ضد شعبنا وضد محافظة جنين ومخيم جنين ، وبالرغم من قلة الامكانيات و الموارد و صعوبة الحركة يؤكد الاخ القائد و الزميل نايف سويطات وكما عودنا على وفائه الدائم لمعاناة شعبنا و الانتماء المادي والاخلاقي و العلمي الى هذه الأسطورة الواقعية التي جسدها مخيم جنين وكتبها في سفر الكفاح الوطني الفلسطيني ، ان الاخ نايف سويطات هو جزء لا يتجزا من هذه الملحمة الراجلة و مفخرة العز و الكرامة ، فهو ابن المخيم الذي نمى وترعرع في النضال الوطني و كبر في المعاناة و التضحية و سجون الاحتلال وفي كافة مواقع المواجهة ، انه عمل متفاني و محاولة لتوثيق البطولة و المجزرة في ذات الآن رافضا ترقيم الشهداء و الجرحى و الاسرى كأعداد ، فكل منهم تتبعه رواية صبر وكفاح وسيرة انسانية غنية بتفاصيل و مشاعر و احاسيس تلخص حب شعبنا للحياة الحرة الكريمة و للمقاومة و الصمود ،
انني اذ اهنئ اخي نايف على هذا العمل والجهد المميز في توثيق هذه البطولة النادرة و الفريدة فانني اتقدم من ذوي الشهداء والجرحى و الاسرى و المطاردين ومن اهلنا في محافظة جنين و مخيمها الباسل و لكل ابناء شعبنا المقاوم باسمى ايات التقدير والاجلال على ثباتهم و صمودهم و صبرهم على الشدائد ، وكلي ثقة بان هذا العمل سوف يفتح الباب امام اسهامات عديدة لتوثيق ما حدث وللتنقيب عن الاف البطولات التي صنعها شعبنا و لابراز صورة الاحتلال الهمجية و الكشف عن عديد الجرائم التي اقترفها بحق اطفالنا و نسائنا و رجالنا ، سيبقى مخيم جنين هو رائد المقاومة و قائدها ، وستبقى محافظة جنين هي عاصمة المقاومة والانتفاضة .
د.احمد الديك |
||||