الافتتـــــــاحيةـــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــ بقلم . الدكتور عبد الستار قاسم
الأنظمة ضد العراق
هزيمة العراق هي هزيمة الأمة وانتصاره انتصارا للأمة. غالبا ما يتفق على هذا الاستخلاص العرب المؤيدون للنظام العراقي والمعارضون له ذلك لأنهم على قناعة بأن الولايات المتحدة لا تريد خيرا بالعرب أو المسلمين لأسباب متعددة على رأسها مصالحها ومستقبل الكيان الصهيوني. لكن المؤيد والمعارض والمحايد من العرب يخضعون لعوامل موضوعية لا يستطيعون ضمن أوضاع الأمة الحالية تجاوزها أو تفكيك تأثيرها. إنها موضوعية لأنهم لا يملكون قولا فاعلا تجاهها ولا قدرة على تحويل مسارها. أخضع العرب أنفسهم لأهوائهم فخضعوا للظروف التي يصنعها الغير فباتوا كما كبيرا تتقاذفهم أمواج الغير دون أن يكون لهم أمواج خاصة بهم.
العالم القوي منشغل بالعراق وبالضربة الأمريكية المتوقعة ضده والعرب كما يبدو ينتظرون القدر الذي يحب بعضهم أن يفسره على أنه إرادة إلهية لا رادّ لها فيدعو الله لطفه. واشنطون محمومة والصراع الأمريكي الداخلي على كسب الرأي العام محتدم، الأمم المتحدة كخلايا نحل دائمة الطنين، والعواصم الأوروبية لا تهدأ جدلا ودراسة ونقاشا. أما أصحاب المحنة الذين من المتوقع أن تنزل بهم الأهوال فينتظرون ما يقرره الغير بشأنهم. قد نجد من العرب من يبكي العراق مقدما لكننا لن نجد أكثر من هذا إذا جد الجد وأطلت الحرب بقذائفها. وأفضل ما لدى الأنظمة العربية الآن هو نصح العراق بالانصياع لقرارات الأمم المتحدة التي تجرده من السلاح. أما إذا جد الجد فإنه سيتبين أن أغلب أنظمة العرب تقدم الخدمات العسكرية للقوات الأمريكية.
ألن تثور الحمية العربية يوما وتقف بصلابة في وجه العدوان وتصبح عنصرا أساسيا في تحديد السياسة الدولية ورادعا لبعض الدول؟ ربما في يوم تتبدل فيه جلودنا ونغير ما نحن فيه. أما الآن فهناك عوامل تحكمنا ولا نحكمها وهي التي تحدد تصرفنا ورد فعلنا أذكر منها:
أولا: أغلب الأنظمة العربية طيّعة بيد الغير وأقلها أعجز من أن يصنع شيئا ضد الغير. أنظمة عربية عديدة وُجدت لكي تسمع الكلام وتنفذ لا لتعارض وتتمرد، وهي تعلم أن مصيرها بيد من أولاها المنصب فيقدر أن يسحقها ويأتي بمن هو أكثر انحناء وتذللا. أما القلة الباقية فغير قادرة على التصدي، وهي تعلم أن تصديها لن يجلب عليها سوى الدمار والخراب. ولهذا فإن حديث الأنظمة العربية عن معارضتها لضرب العراق يبقى بدون صدى لا أثر له. فقط يستمع الجمهور العربي عبر وسائل الإعلام الرسمية التصريحات التي تشفي الغليل والتي لا تشفي العليل أو تنقذ الغريق.
ثانيا: أغلب الأنظمة العربية لا تمانع بضرب العراق حتى لو صرحت بغير ذلك، ومن المحتمل أن بعضها يشجع الأمريكيين على شن الحرب. السبب هو أن المنافسات بين الأنظمة شديدة وهي على النمط العربي التقليدي الذي لا يخرج عن المنطق القبلي الأهوج الذي لا هدف له سوى تسجيل نقاط ولو من خلال الأجنبي. بأس الأنظمة فيما بينها شديد وهي تجد في الاستعمار عونا لها في منازعاتها الداخلية التي تدفع الأمة ثمنها. الأنظمة تحسبها كالتالي: يكبر النظام العراقي في أعين الأمة لو امتلك أسلحة ردع ويهابه الأعداء والأصدقاء، وفي هذا تقزيم لبقية الأنظمة التي تصبح موضع انتقادات من قبل شعوبها. وقد يصبح النظام العراقي قادرا على تحريك الجماهير مما يؤثر على استقرار الأنظمة. إنه شيء مقلق ويهدد الاسترخاء والثراء والاستئثار بالسلطة والنعم المصاحبة لها، ومن الأفضل أن تبقى الأنظمة متساوية في الضعف والخنوع والفساد والاستبداد. هذا تفسير عربي لا ينطبق على العراق فحسب وإنما ينطبق على أي نظام يحاول أن يفلت من الانصياع للظروف التي يصنعها الغير لنا.
ثالثا: لا يوجد عاقل يوهم نفسه أن العراق فيما إذا امتلك أسلحة استراتيجية يستطيع تهديد الولايات المتحدة مباشرة في عقر دارها. قد يهدد العراق منابع النفط إن امتلك بالفعل شيئا تدميريا على المستوى الاستراتيجي، وفي هذا ما تعتبره بعض الأنظمة العربية تهديدا مباشرا لها. هناك تهديد في ظل هذا الاحتمال لمصالح الولايات المتحدة، لكن هذه المصالح هي عينها التي تساعد أنظمة عربية على البقاء. أي أن أنظمة عربية لا تستمد بقاءها فقط من إرادة الغير وإنما أيضا من استمرار أمن مصالحه.
رابعا: تسلم أغلبية الأنظمة العربية بأمن إسرائيل ومستلزماته. انتهت أنظمة عربية عديدة إلى قناعة بأن أمن إسرائيل أولوية أولى إذا أراد العرب إقامة سلام في المنطقة وتسوية القضية الفلسطينية بشكل أو بآخر، وهي لديها الاستعداد المستمر للقبول بمختلف الإجراءات التي تحمل عنوان المحافظة على الأمن الإسرائيلي. ارتضت أنظمة عربية مثل مصر أن تسحب جيشها من سيناء وتكتفي بقوة مسلحة بأسلحة خفيفة حفاظا على الأمن المدني استجابة لجدلية الأمن الإسرائيلي، وارتضى الأردن أن بقوم بملاحقة رجال التنظيمات العربية الذين يحاولون المس بالأمن الإسرائيلي، وقامت السلطة الفلسطينية بفتح سجونها للمناضلين والمجاهدين. فهل تقبل هذه الأنظمة عراقا تقول عنه الولايات المتحدة أنه يهدد أمن إسرائيل؟
رضيت الأنظمة بامتلاك إسرائيل لأسلحة الدمار الشامل ولم تجعل منها قضية إلا في فترات محدودة وعلى نطاق إعلامي، لكنها لن تقبل بأسلحة استراتيجية يمتلكها نظام عربي. أكبر دليل على ذلك هو إعلان عدد من الأنظمة عن استعدادها للمشاركة في ضرب العراق إذا صدر القرار عن الأمم المتحدة علما أن الأمم المتحدة لم تتحرك إطلاقا لمواجهة الأسلحة الإسرائيلية. ليت هذه الأنظمة فسرت للأمة العربية كيف يختلف ضرب العراق مع قرار من الأمم المتحدة عن ضربه بدون قرار. هل ستكون القنابل أكثر حِنيّة ورأفة؟