![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
الافتتـــــــاحيةـــــــــــــــــــــــــــــ في ظهيرة الثلاثين من أيلول قبل عامين ، قاد طفل فلسطيني انقلابا كونيا ضد الاقانيم الثلاثة المعكوسة ،التي شهرها يهوذا الاسخريوطي في وجه العالم ، الثلاثة هم جنرال غاشم يداه يقطر منهما الدم ، و آلامي مأجور مستعد للشهادة انه رأى تشرق من أقصى الغرب ، ونظام سياسي فاقد الحيوية و يصعب العثور في نسيجه المهترئ على شريان واحد معافى ذلك الطفل الذي أوشكنا على نسيانه ، هو محمد الدرة الذي وعدتنا الجامعة العربية بان يكون يومه هو يوم الطفولة المهدورة في هذا العالم و الذي أطلق اسمه على شوارع كبرى في مختلف العواصم.
و قد تخيلنا قبل عامين سيرته الذاتي منذ الميلاد حتى الميلاد لان كتلة الأسمنت التي تضخمت بدمه شهدت في لحظة الوداع قيامته و قلنا في تلك الظهيرة الحمراء ان البشارة هلت من أصغرنا وان قيامنا نحن الموتى وشيكة ايضا ثم مضت الأيام ، مثقلة بغبار أفغاني ودخان عراقي ومحاصيل شتى من نتاج سادة الفقر ورعاة التخلف الذين حولوا هذين التوأمين الآسيويين بامتياز إلى مناجم شبه أسطورية منها صنعوا الماس لا من الفحم الذي يتعذب في باطن الأرض ومنها عبدوا هذه الشوارع بين المجريات و اصبحوا على بعد أعوام قليلة من تحقيق الوعد الذي قدمه فوكوياما وهو قطف فاكهة الأناناس من سطح القمر ، جيل الدرة هو جيل القدر رغم ان هذه التسمية أطلقت على جيل الخمسينات العربية المنقعة في حساء التاريخ حيث لا شئ غير العظام من ذلك الهيكل الذي تأرجح في عواصمنا و ساحاتنا عشية العودة غير المظفرة لجيوش سبعة لم يكن قادتها يعرفون مسيرتها من ميمنتها و كان القرش الفلسطيني في تلك الأيام مثقوبا يصنع منه الأطفال قلائد و كانت الشمس لا تزال تشرق فلا حاجة إلى الكهرباء في عز النهار ، جيل الدرة هو سيحمل العبء ان لم يكن قد حمله منذ لثغ باسم البلاد الصبية و البلاد البنية التي أمسكت بما امتلكت من قوة بالعقال العربي الذي كان يتأرجح في الهواء و ان كان الطفل هو أبانا الرجل كما قال الشاعر " ووردزورث " فان محمد الدرة هو أبو البالغين كله في زمنه فيا أبانا الذي ي المقابر لا في السماء انظر حولك كي ترى ما فعلناه بموتك الفاضح قبل عامين وقبل قمتين إحداهما طارئة و الأخرى مجرد عادة قومية .
لو كنا نعلم أننا سننساك بعد عامين فقط لما دفناك فكرامة الشهيد في بقائه ضوءا مبثوثا في هذا الدليل فلا تغفر لنا أيها الصغير في زمن من يفتدي فيه الصغار آباءهم وحتى أجدادهم لكن في هذا الايلول الذي سرق منك برجا من ربع مليار طابق كلها من لحم ودم واصعد كما لو كنت ترتقي مئذنة واصرخ حتى تثقب طبلات آذاننا فنحن صمّ وبكمّ رغم هذه الثرثرة التي تتراكم حول قبرك الصغير ،اعني سريرك الذي تطرزه الشهيدات بالقرب من وسادتك الحجرية .
أحدنا قال : لتقطع ذراعي من الكتف ان نسيتك يا محمد ، وقال آخر فيما كانت كاميرا التلفزيون يلتهم شاربيه سنسمي كل مواليدنا محمد آيا محمد …..
ولم يمض سوى عامين لا ندري كيف بددت خلالهما ليلك الطويل في مقبرة بلغها منع التجول وفاض عليها الاحتلال ، لا أظن انك اكلت وردة واحدة من تلك الاكاليل التي حملت اسمك ولا أظن ان حبة تين أو عنقود عنب خلال صيفيين عربيين قد تسربت ولو خلسة إلى فمك الذي لا يطبق بعد لأنك مت وهو مفتوح ينادي ويستغيث لكنك آه :لو ناديت حيّا الكتابة عنك يجب ان تكون قادمة منك فخذ هذا القلم واحكم اصابعك جيدا واشطب أو امح بحفنة تراب مهمور بما تبقى منك كل مل كتبنا لأننا لسنا الناطقين باسم الشهداء ولسنا المفوضين بالتفاوض مع قاتليهم كي لا نظفر بكسر عشري من وطن فلكي . ما اسهل ان نقول طوبى لك او لله درك يا درة فتلك عبارات هلكت من فرط الدق على الجدران و التعليق على الصدور كالمريلة .
هذا بالرغم من معرفتنا بأنك وجيلك لم تعرفوا المريلة لان لعابكم ناشف والدم لا اللعاب هو ما يسيل على ذقونكم الصغيرة ذات الزغب المبكر قلنا لك وداعا لكنك قلت لنا الى اللقاء ومنذ تلك اللحظة ونحن نتقدم خطوة باتجاهك ونعود عشر خطوات باتجاه قاتلك لقد سرقوا منك أيلوك وهو في آخر لياليه مثلما سرقوا حزيرانك ورمضانك وسائر التقاويم التي كانت لك عندما كان لك جدار وذاكرة .
نم يا محمد واحلم كما تشاء لكننا نعتذر عن كل كابوس يتسلسل من قبرك حاملا أشباحا ونسياننا وتواطؤنا مع السكين التي ذبحتك وأنت تتدلى من خاصرة أبيك ، أنت الحقيقة التي فرط بها جاليلو العربي خشية محاكم التفتيش الحديثة ، فدر ، كي تدور بك وبنا الأرض يابن الدرة يا أبانا .
|
||||