![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
ملف جنائي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــ شبح محكمة الجنايات الدولية يخيم على إسرائيل
في الأول من شهر تموز الماضي باشرت محكمة الجنايات الدولية عملها، وذلك بعد مرور سنة كاملة على مصادقة 60 دولة على الاتفاقية، وستنظر المحكمة في أية دعاوى ترفع إليها، وقعت أحداثها بعد الأول من تموز الماضي، ولن تنظر في أية دعاوى تعود أحداثها إلى ما قبل هذا التاريخ.
وهي بحسب الاتفاقية الناظمة لاعمالها، تنظر في قضايا أوسع من تلك التي تنظر فيها محكمة العدل الدولي في لاهاي، فهي لا تنظر فقط في قضايا اشمل وأوسع من ذلك، مثل قضايا تمس حقوق الإنسان وغيرها، وبالتالي فان قضايا مثل الاستيطان والممارسات اللاإنسانية للأفراد، سواء أكانوا أفراداً في جيش محتل أم غيره، يمكن أن تنظر فيها.
والآلية لرفع الدعاوى إليها تكون إما: من دولة صادقت على الاتفاقية، وإما بقرار من مجلس الأمن، وإما بتبني المدعي العام للمحكمة للقضية المرفوعة.
لقد امتنعت الولايات المتحدة عن المصادقة على الاتفاقية، بعد أن كان الرئيس الأسبق كلينتون وقعها أولياً، كما امتنعت إسرائيل أيضاً، عن المصادقة على الاتفاقية، بناء على تحذير لها من الجهات القانونية، التي حذرت الحكومة من إمكانية تعرض العديد من الضباط والجنود الإسرائيليين إلى المساءلة أمامها نتيجة ممارساتهم الإجرامية في الأراضي المحتلة.
لم تكتف الولايات المتحدة بعدم التصديق على الاتفاقية، لان عدم التصديق عليها لا يحمي مواطنيها من المثول أمامها للنظر في قضايا مرفوعة ضدهم تتعلق بارتكابهم جرائم حرب أو ممارسات ضد حقوق الإنسان، فقامت بالضغط على مجلس الأمن لإصدار قرار منه يستثنى أياً من أفراد قواتها العاملة كقوات لحفظ السلام في جميع أنحاء العالم من المثول أمام محكمة الجنايات الدولية، للنظر في قضايا تتعلق بنشاطاتهم وممارساتهم، لمدة عام قابلة للتجديد بقرار من مجلس الأمن.
الدولة الأكثر تخوفاً ورعباً من المحكمة كانت إسرائيل، بحكم سجلها الحافل في ارتكابها جرائم حرب وضد حقوق الإنسان الفلسطيني، ناهيك عن نشاطاتها الاستيطانية والتي تقع في إطار صلاحيات هذه المحكمة. المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية "الياكيم روبنشتاين" حذر المستوى العسكري والسياسي من خطورة هذه المحكمة، والاحتمالات الممكنة لتعرض جنود وضباط إسرائيليين للمساءلة أمامها ورفع قضايا اتهامية ضدهم، ولذلك طالب العسكريون بأن ينتبهوا لتصريحاتهم، وان لا يدلوا بأية تصريحات أو بيانات عن أعمال قاموا بها، قد تستخدم ضدهم في المحكمة، كما طالب المستوى العسكري أن لا يقوم بالإعلان عن أسماء أفراد من الجيش الإسرائيلي قاموا بأعمال وممارسات تقع ضمن صلاحيات المحكمة، حتى لا تستخدم ضدهم.
لم تكتف إسرائيل بذلك، فاستعانت للالتفاف على المحكمة بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث عقدت معاهدة معها تقضي بعدم تسليم مواطنين من الجانبين إلى محكمة الجنايات الدولية. في حال قدم طلب كهذا، بمعنى ان ترفض الولايات المتحدة تسليم إسرائيلي للمحكمة في مقابل تعهد إسرائيل بعدم تسليم أمريكي يقيم في إسرائيل إلى المحكمة أيضا.
لكن كل هذه الإجراءات وعملية الالتفاف والاستنجاد بالولايات المتحدة، لن تحمي إسرائيل والعديد من جنودها وضباطها الذين ارتكبوا ابشع الجرائم الإنسانية ضد الشعب الفلسطيني، من المثول يوماً أمام هذه المحكمة، إذا ما قامت جهات مسؤولة وحريصة فعلاً على حقوق الإنسان بتجميع المعلومات والأدلة عن الممارسات الإسرائيلية المنافية للعدالة والإنسانية، سواء ضد إسرائيل كدولة أو ضد أي من مواطنيها.
ويبدو ان عملية تجميع المعلومات والأدلة قد بدأت، ليس بمبادرة من جهات فلسطينية أو عربية أو أجنبية، وإنما من جهات إسرائيلية فقد ذكرت الصحف الإسرائيلية ان حركة الكتل السلام "غوش شالوم" وهي حركة راديكالية إسرائيلية تعنى بحقوق الإنسان، بعثت برسائل إلى 15 ضابطاً في الجيش الإسرائيلي تحذرهم من أنها باشرت جمع معلومات تثبت ارتكابهم جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967. وبأنها لن تتردد في تقديمها إلى محكمة الجنايات الدولية.
وذكرت (هارتس 4/8) أن الحركة أبلغت ضابطاً رفيعي المستوى ان لديهم أدلة تثبت ارتكابهم جرائم حرب، ومنها أحاديثهم إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية وشكاوي الفلسطينيين من ممارسات جنود الاحتلال، ونقلت عن إحدى الرسائل اتهام ضابط بأسر عائلات مطلوبين وجعلهم رهائن لإرغامهم على كشف مكان هؤلاء أو تسليمهم.
وأوضح الناطق بلسان الحركة أنها شكلت طاقماً خاصاً لمتابعة ممارسات الجيش الإسرائيلي وجرائم الحرب التي يقترفونها. وأنها تتعاون مع منظمات حقوقية لرصد انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني.
لقد أثار ما قامت به حركة كتلة السلام ضجة كبيرة في إسرائيل، لا تزال أثارها تتفاعل، ووصف الوزير داني نافيه، ما تقوم به "كتلة السلام" بأنه يقدم خدمة لأسوأ أعداء إسرائيل "واعتبره ضابط رفيع المستوى" بأنه دعوة للعصيان والتحريض والتمرد، وطالب بعض الأوساط الإسرائيلية بتجريم ما تقوم به الحركة وتقديم قادتها للمحاكمة، ووصف المستشار القانوني عملها بأنه "غير قانوني وخاطئ" وقد أوعز شارون إلى المدعي العام الإسرائيلي لبحث إمكانية تقديم قادة الحركة إلى المحاكمة وإيقاف ما يقومون به من أعمال.
إضافة إلى محكمة الجنايات الدولية، فان مسألة أخرى جددت المخاوف الإسرائيلية من إعادة إحياء محكمة شارون أمام المحاكم البلجيكية في القضية المرفوعة ضده عن مسؤوليته عن مجازر صبرا وشاتيلا، وذلك اثر مطالبة أربعة أعضاء في البرلمان البلجيكي بإدخال تعديلين على قانون العام 1993 الذي نظم اختصاص المحاكم البلجيكية في النظر بجرائم حرب تم ارتكابها في أي مكان في العالم. وإذا ما تم إقرار هذين التعديلين، سيكون بالإمكان إعادة محاكمة شارون، بعد ان قامت محكمة الاستئناف البلجيكية برد الدعوى المقامة ضده لمسؤوليته عن جرائم صبرا وشاتيلا العام 1982، على اعتبار انه غائب ولا يقيم على الأراضي البلجيكية.
التعديل الأول: بسمح بإجراء محاكمة متهم بجرائم حرب غيابياً، دون اشتراط إقامته في بلجيكا، وإذا ما تم هذا التعديل فانه سيسمح بإعادة فتح القضية الخاصة بشارون.
التعديل الثاني: السماح للمحاكم البلجيكية للنظر بقضايا جرائم الحرب، التي يتعذر النظر بها أمام محكمة الجنايات الدولية لسبب أو لاخر.
وإذا ما تم إقرار هذا التعديل، يمكن عندها أن ترفع قضايا أمام المحاكم البلجيكية ضد ضابط أو جنود إسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب، إذا ما تعذر النظر بها أمام محكمة الجنايات الدولية لسبب أو لاخر وتقول مصادر حقوقية في بلجيكا ان ثمة احتمالاً كبيراً بتمرير هذين التعديلين.
لقد اثارت هذه المسألة المخاوف الإسرائيلية من جديد، وقامت الخارجية الإسرائيلية باستدعاء السفير البلجيكي لتبلغه اهتمامها الشديد بمسألة التعديلين المطروحين مشيرة إلى ان اقرارهما قد يؤثر على العلاقات بين إسرائيل وبلجيكا، ولا تستبعد بعض المصادر ان تقوم إسرائيل بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بلجيكا إذا ما تم إقرار التعديلين.
ان مطاردة إسرائيل على جرائمها وضباطها وجنودها الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية سواء أمام محكمة الجنايات الدولية أم المحاكم البلجيكية بالاستناد إلى قانون 1993 وتعديلاته المحتملة، هي أمر ممكن جداً، ولا بد من تفعيل هذه الامكانية بإجراءات عملية من خلال المبادرة إلى تشكيل مجموعة عمل فلسطينية من مختصين في القانون الدولي في فلسطين والخارج والاتصال بالعديد من المنظمات الحقوقية والانسانية الدولية للعمل معاً على تجميع المعلومات والادلة عن ممارسات إسرائيل وضباطها وجنودها الإجرامية وتحضير ملفات كاملة بهذا الخصوص لرفع دعاوى ضدهم أمام محكمة الجنايات الدولية حيث امكن ذلك، أو أمام المحاكم البلجيكية.
ان صراعنا مع إسرائيل طويل ومتعدد الجوانب والمجالات، ولا بد من تفعيل وتحريك كل هذه المجالات وتوظيفها في كشف التكوين الاجرامي واللانساني لكل الذين يرتكبون جرائم حرب ضد شعبنا والعمل على محاكمتهم على الجرائم التي ارتكبوها، وليكون ذلك رادعاً لغيرهم ولنحمي شعبنا من تكرار مثل هذه الممارسات الإجرامية. ان المجال مفتوح للجميع من ذوي الاختصاص فهل من مبادرين.
|
||||